محمد جمال الدين القاسمي

372

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

فقال « 1 » : يا معشر الأنصار ! ألم أجدكم ضلالا فهداكم اللّه بي ، وكنتم متفرقين فألفكم اللّه بي ، وعالة فأغناكم اللّه بي ؟ فكلما قال شيئا قالوا : اللّه ورسوله أمنّ - انتهى - . لطيفة : قال الزمخشريّ : الضمير في : منها . للحفرة أو للنار أو للشّفا ، وإنما أنث لإضافته إلى الحفرة ، وهو منها كما قال : كما شرقت صدر القناة من الدم - انتهى - وقال أبو حيان : لا يحسن عوده إلا إلى الشفا ، لأنه المحدّث عنه - انتهى - . وفي الانتصاف : يجوز عود الضمير إلى الحفرة ، فلا يحتاج إلى تأويله المذكور ، كما تقول : أكرمت غلام هند ، وأحسنت إليها ، والمعنى على عوده إلى الحفرة أتم ، لأنها التي يمتنّ بالانقاذ منها حقيقة ، وأما الامتنان بالانقاذ من الشفا ، فلما يستلزمه الكون على الشفا غالبا من الهويّ إلى الحفرة ، فيكون الإنقاذ من الشفا إنقاذا من الحفرة التي يتوقع الهويّ فيها . فإضافة المنة إلى الإنقاذ من الحفرة تكون أبلغ وأوقع . مع أنّ اكتساب التأنيث من المضاف إليه قد عده أبو عليّ في ( التعاليق ) من ضرورة الشعر ، خلاف رأيه في ( الإيضاح ) - نقله ابن يسعون - وما حمل الزمخشريّ على إعادة الضمير إلى الشفا إلا أنه هو الذي كانوا عليه ، ولم يكونوا في الحفرة حتى يمتن عليهم بالانقاذ منها . وقد بينا في أدراج هذا الكلام ما يسوغ الامتنان عليهم بالانقاذ من الحفرة ، لأنهم كانوا صائرين إليها غالبا ، لولا

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : المغازي ، 56 - باب عزوة الطائف في شوال سنة ثمان ، حديث 1931 ونصه : عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال : لما أفاء الله على رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، يوم حنين ، قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا . فكأنهم وجدوا ، إذ لم يصبهم ما أصاب الناس . فخطبهم فقال : « يا معشر الأنصار : ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ؟ وعالة فأغناكم الله بي ؟ كلما قال شيئا ، قالوا : الله ورسوله أمنّ . قال « ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ؟ » قال كلما قال شيئا قالوا : الله ورسوله أمنّ . قال « لو شئتم قلتم : جئتنا كذا وكذا . أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم إلى رحالكم ؟ لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار . ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها . الأنصار شعار والناس دثار . إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض » . وأخرجه مسلم في : الزكاة ، حديث 139 .